قَوْله : ( يَا رَسُول اللَّه إِنَّ أُمِّي اِفْتَلَتَتْ نَفْسهَا ) ضَبَطْنَاهُ : نَفْسهَا وَنَفْسهَا بِنَصَبِ السِّين وَرَفْعهَا , فَالرَّفْع عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَالنَّصْب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ. قَالَ الْقَاضِي : أَكْثَر رِوَايَتنَا فِيهِ بِالنَّصْبِ. وَقَوْله : ( اِفْتَلَتَتْ ) بِالْفَاءِ , هَذَا هُوَ صَوَاب الَّذِي رَوَاهُ أَهْل الْحَدِيث وَغَيْرهمْ , وَرَوَاهُ اِبْن قُتَيْبَة ( اِقْتَتَلَتْ نَفْسهَا ) بِالْقَافِ , قَالَ : وَهِيَ كَلِمَة يُقَال لِمَنْ مَاتَ فَجْأَة , وَيُقَال أَيْضًا لِمَنْ قَتَلَهُ الْجِنّ وَالْعِشْق. وَالصَّوَاب الْفَاء. قَالُوا : وَمَعْنَاهُ مَاتَتْ فَجْأَة , وَكُلّ شَيْء فُعِلَ بِلَا تَمَكُّثٍ فَقَدْ اُفْتُلِتَ , وَيُقَال : اُفْتُلِتَ الْكَلَام وَاقْتَرَحَهُ وَاقْتَضَبَهُ إِذَا اِرْتَجَلَهُ. وَقَوْلهَا : ( أَفَلَهَا أَجْر إِنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ. ) فَقَوْله : ( إِنَّ تَصَدَّقَتْ ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة مِنْ ( إِنْ ) وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ , قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا الرِّوَايَة فِيهِ , قَالَ : وَلَا يَصِحّ غَيْره , لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَفْعَلهُ بَعْدُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : أَنَّ الصَّدَقَة عَنْ الْمَيِّت تَنْفَع الْمَيِّت وَيُصَلِّهِ ثَوَابهَا , وَهُوَ كَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء , وَكَذَا أَجْمَعُوا عَلَى وُصُول الدُّعَاء وَقَضَاء الدِّين بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَة فِي الْجَمِيع , وَيَصِحّ الْحَجّ عَنْ الْمَيِّت إِذَا كَانَ حَجّ الْإِسْلَام , وَكَذَا إِذَا وَصَى بِحَجِّ التَّطَوُّع عَلَى الْأَصَحّ عِنْدنَا , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الصَّوَاب إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْم , فَالرَّاجِح جَوَازه عَنْهُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة فِيهِ. وَالْمَشْهُور فِي مَذْهَبنَا أَنَّ قِرَاءَة الْقُرْآن لَا يَصِلُهُ ثَوَابهَا , وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا : يَصِلُهُ ثَوَابهَا , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل. وَأَمَّا الصَّلَاة وَسَائِر الطَّاعَات فَلَا تَصِلُهُ عِنْدنَا وَلَا عِنْد الْجُمْهُور , وَقَالَ أَحْمَد : يَصِلُهُ ثَوَاب الْجَمِيع كَالْحَجِّ.