( فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ إِلَخْ ) : مَقْصُود اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ الْآيَة الَّتِي فِي الْفُرْقَان نَزَلَتْ فِي أَهْل الشِّرْك وَالْآيَة الَّتِي فِي النِّسَاء نَزَلَتْ فِي أَهْل الْإِسْلَام الَّذِينَ عَلِمُوا أَحْكَام الْإِسْلَام وَتَحْرِيم الْقَتْل فَجَعَلَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَحَلّ الْآيَتَيْنِ مُخْتَلِفًا. وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ فَقَالَ أَيْ اِبْن عَبَّاس هَذِهِ مَكِّيَّة أَرَاهُ نَسَخَتْهَا آيَة مَدَنِيَّة الَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء فَمِنْ هَذِهِ الرِّوَايَة يَظْهَر أَنَّ مَحَلّ الْآيَتَيْنِ عِنْد اِبْن عَبَّاس وَاحِد قَالَ الْحَافِظ فِي الْفَتْح : إِنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ تَارَة يَجْعَل الْآيَتَيْنِ فِي مَحَلّ وَاحِد فَلِذَلِكَ يَجْزِم بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا وَتَارَة يَجْعَل مَحَلّهمَا مُخْتَلِفًا , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن كَلَامَيْهِ بِأَنَّ عُمُوم الَّتِي فِي الْفُرْقَان خُصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَة الْمُؤْمِن الْقَتْل مُتَعَمِّدًا , وَكَثِير مِنْ السَّلَف يُطْلِقُونَ النَّسْخ عَلَى التَّخْصِيص وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْل كَلَامه عَلَى التَّنَاقُض وَأَوْلَى مِنْ دَعْوَى أَنَّهُ قَالَ بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ اِنْتَهَى ( فَلَا تَوْبَة لَهُ ) : قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا , وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ تَوْبَة وَجَوَاز الْمَغْفِرَة لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } وَهَذِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة هِيَ مَذْهَب جَمِيع أَهْل السُّنَّة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ , وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف مِمَّا يُخَالِف هَذَا مَحْمُول عَلَى التَّغْلِيظ وَالتَّحْذِير مِنْ الْقَتْل , وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَة الَّتِي اِحْتَجَّ بِهَا اِبْن عَبَّاس تَصْرِيح بِأَنَّهُ يَخْلُد وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ جَزَاؤُهُ وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يُجَازَى اِنْتَهَى ( فَقَالَ إِلَّا مَنْ نَدِمَ ) : أَيْ فَإِنَّ لَهُ تَوْبَة. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم بِنَحْوِهِ.